الشيخ محمد رشيد رضا

14

الوحي المحمدي

ولما كان الإسلام هو دين الإنسانية العام الدائم الجامع لكلّ ما تحتاج إليه جميع الشعوب من الهداية الدينية والدنيوية ، وجب على العقلاء الأحرار ، والعلماء المستقلين الذين يتألمون من المفاسد المادية التي تفاقم شرها في هذا العهد أن يعنوا بهتك تلك الحجب التي تحجبهم عن النظر فيه ، وإزالة الموانع التي تعوقهم عن فهم حقيقته ، وأن يدعوا جميع الشعوب إلى أخوته ، وتكميل الحضارة الإنسانية بهدايته . نتيجة هذه المقدمات : بيان هذا الكتاب لحقيقة الإسلام بما تقوم به الحجة على جميع الأنام أما بعد فإنّنى أقدم لهم هذا الكتاب الذي صنفته في إثبات ( الوحي المحمدي ) وكون القرآن كلام اللّه عزّ وجلّ ، وكونه مشتملا على جميع ما يحتاج إليه البشر من الإصلاح الديني والاجتماعي والسياسي والمالى والحربي ، وقد أطلت في بيان هذه المقاصد الأساسية بعض الإطالة ؛ لأنها مثار جميع الفتن والمفاسد التي يشكو منها عقلاء هذا العصر ، وأما توفية هذا الموضوع حقّه فلا يكون إلا في سفر كبير أو أسفار يجمع فيها مقاصد القرآن كلها مع بيان حاجة البشر إليها في أمور معاشهم ومعادهم ، وهو ما أبينه في تفسير المنار بإجمال قواعد كل سورة وأصولها في آخر تفسيرها ، بعد بيانها بالتفصيل في شرح آياتها . على أنني لم أكتب هذا البحث أول وهلة لهذا الغرض ، وإنما بدأت منه بفصل استطرادى لتفسير آية : أَ كانَ لِلنَّاسِ عَجَباً أَنْ أَوْحَيْنا إِلى رَجُلٍ مِنْهُمْ [ يونس : 2 ] إلخ ، من أول سورة يونس بينت به الدلائل القطعية على أنّ القرآن وحى من اللّه تعالى كان محمد صلّى اللّه عليه وسلم يعجز كغيره من مثله بعلمه ولغته وتأثيره ، وأنه ليس وحيا نفسيا نابعا من نفسه كما يزعم بعض الباحثين من الإفرنج وغيرهم ، وأنه أعمّ وأكمل وأثبت من كلّ وحى كان قبله ، وأن حجّته قائمة على المؤمنين بالوحي التشريعي وعلى غيرهم . ثم بدا لي في أثناء كتابته أن أجرّده في كتاب خاص أدعو به شعوب الحضارة المادية من الإفرنج واليابان إلى الإسلام بتوجيهه أولا إلى علمائهم الأحرار . حتى إذا اهتدوا به تولوا دعوة شعوبهم ودولهم إليه بلغاتهم ، ولهذا زدت فيه على ما كتبته في التفسير ، ووضعت له الخاتمة التي صرحت فيها بالدعوة وجعلتها هي المقصودة بالذات منه .